أحمد ابراهيم الهواري
140
من تاريخ الطب الإسلامي
حجرة للرجال وفي الأخرى ثماني عشرة للنساء . وقد رأيت الرجال مصابين بالبرد والمالنخوليا وأكثرهم مسن ورأيت فتى فقط كان في حالة هياج فكان يزأر كالأسد ثم انتقل فجأة إلى هدوء أعقبه ابتسام ودهشة . وحجر النساء ليست كلها محاطة بشابيك الحديد وكانت النسوة كلهن مصفدات ولكنهن غير مثبتات في الجدران كالرجال ، وإحدى هاته النسوة وهي طاعنة في السن تقدمت نحوى حتى وسط الحوش وهي تبكى وتطلب إحسانا وكانت الأخيرات متحجبات حتى لم يمكن أن ألحظ شيئا من ملامحهن . ووقف الذين اصطحبونى في كل مكان على باب هذه الدايرة وكانت امرأتان تحرسان بابها الداخلي محجبتان على الدوام ومتجهتان بوجوههما إلى الجدار أثناء زيارتي وكانت هناك فتاة صغيرة جميلة قاعدة القرفصاء ووجها وجسمها يكادان يكونان عاريين فلما لمحتنى داخلا فرحت كثيرا وسلمت على مرارا بحنى رأسها ووضع يديها المغلولتين فوق صدرها وكانت تتكلم بنشاط ، ولكني لم أفهم منها غير كلمة سنيور وكانت تعيدها مرارا ولكنها غريبة عن لسانها . ولقد شككت في كونها مجنونة لأن ظلم الرجال كثيرا ما زجّ بالعقلاء في هذه المحال المحزنة . على أن شكوك الطبيب وهو الذكي الفواد كان لها أساس من الصحة فقد علمنا بعد ذلك أن هذه الفتاة الشقية الحظ قد أطلق سراحها ولكن الذين زجوا بها في هذا المكان لم ينلهم عقاب . وبعد أن زرت كل شئ بالعناية التامة لحقت بالشيخ الذي كان ينتظرني بالمسجد الذي هو من البيمارستان فوجدته يصلى أمام التربة الفخمة المدفون فيها الملك الناصر محمد بن قلاوون الذي أعد هذا المكان لأيام الشدائد . وجاء في الخطط أيضا « 1 » : إنه كان للبيمارستان وقف كاف للصرف عليه وكانت له عدا ذلك مصادر أخرى متعددة للإيراد مثل الترياق المعمول به في القاهرة فقد كان محتكرا له ومخصصا إيراده للصرف على البيمارستان . وقال فيجرى بك « 2 » : كان هذا المارستان قد أخذ في الاضمحلال ففتحه جنتمكان [ أي
--> ( 1 ) - الخطط الفرنسية ج 18 ص 324 . ( 2 ) - كتاب حسن البراعة في علم الزراعة ج 2 ص 167 طبع سنة 1283 ه 1866 م بولاق .